لإسبانيا تاريخ طويل في العلوم والتكنولوجيا، رغم أن كثيرًا من الإنجازات التي حققناها عبر القرون جرى تجاهلها أو حتى نسيانها. في العصور الوسطى وعصر النهضة، حين بدأت بلدان أوروبية أخرى تكتشف إمكانات العلم، كانت إسبانيا تتمتع أصلًا بإرث معرفي غني، يعود جزئيًا إلى تأثير العرب واليهود الذين عاشوا في شبه الجزيرة.
العصر الذهبي للأندلس
تحقق أحد أول التطورات العلمية الكبرى في شبه الجزيرة الأيبيرية في عصر الأندلس، حين حكم المسلمون جزءًا كبيرًا مما نعرفه اليوم باسم إسبانيا. أصبحت قرطبة ومدن أندلسية أخرى مراكز للمعرفة، تُترجم فيها الأعمال العلمية والفلسفية الكبرى للعصور القديمة وتُصان. وفي هذه الأماكن، لم يكتف الرياضيون والفلكيون والأطباء بدراسة أفكار الإغريق القدماء، بل طوروا أيضًا نظرياتهم ومناهجهم الخاصة.
في قرطبة، مثلًا، برز الطبيب والفيلسوف ابن رشد بدراساته الطبية ودفاعه عن الفكر العقلاني. ومن الأسماء الكبرى الأخرى في ذلك العصر موسى بن ميمون، الطبيب والفيلسوف اليهودي الذي كتب مؤلفات مهمة في الطب والفلسفة. ومع ذلك، ورغم هذه الإنجازات، ضاع جزء كبير من هذه المعرفة أو قُمِع مع حروب الاسترداد ومحاكم التفتيش اللاحقة، لمصلحة ثقافة تركز على الدين أكثر من العلم.
العلم خلال القرون الذهبية

رسم أصلي أُنشئ بالذكاء الاصطناعي؛ رؤية فنية وليست صورة وثائقية.
في القرنين السادس عشر والسابع عشر، عاشت إسبانيا عصرها الذهبي، وهي مرحلة ازدهرت فيها الفنون والأدب، وبدرجة أقل، العلوم. وفي تلك المرحلة، أصبحت إسبانيا إحدى القوى العالمية الكبرى، ورغم أن التركيز الأساسي كان على التوسع الاستعماري واستغلال الموارد، فقد ظهرت أيضًا بعض التطورات العلمية في ذلك العصر.
كان ميغيل سيرفيت من أبرز علماء تلك الفترة، إذ أحرز في القرن السادس عشر تقدمًا كبيرًا في فهم جهاز الدوران. لكنه، مثل كثير من الشخصيات العلمية آنذاك، تعرض للاضطهاد بسبب أفكاره. وبعد مواجهة محاكم التفتيش الإسبانية، فر إلى جنيف، حيث أُعدم بتهمة الهرطقة، وعلى نحو ساخر على يد الكالفينيين، لا الكنيسة الكاثوليكية. وتعكس هذه الحالة نمطًا متكررًا في تاريخ العلم في إسبانيا: كان من يتحدون المعتقدات الراسخة يُعاقبون بدل الاحتفاء بهم.
ومن شخصيات العلم الإسباني المدهشة أيضًا خيرونيمو دي أيانث، وهو عبقري حقيقي متعدد المواهب من القرن السادس عشر. ورغم أن اسمه غير معروف على نطاق واسع، فإن هذا المهندس والعالم السابق لعصره اخترع نموذجًا أوليًا بدائيًا لمحرك بخاري، قبل أن يجعل جيمس واط تلك التقنية شائعة بقرن. وسجّل أيانث براءات لأكثر من 50 اختراعًا في مجالات متنوعة كالتعدين والملاحة والهندسة العسكرية، لكن إسهاماته مرت دون أن تلفت الأنظار، كما يحدث كثيرًا في التاريخ الإسباني.
التراجع والتهميش العلمي
كان القرن الثامن عشر مرحلة بدأ فيها العلم ينتعش من جديد في أوروبا بفضل عصر التنوير. غير أن إسبانيا، التي كانت قد بدأت آنذاك تتراجع بوصفها قوة عالمية، تأخرت علميًا. فبينما ظهرت في بلدان أخرى مثل فرنسا والمملكة المتحدة شخصيات كإسحاق نيوتن وفولتير، ظل العلم في إسبانيا خاضعًا للدين والسلطة السياسية.

رسم أصلي أُنشئ بالذكاء الاصطناعي؛ رؤية فنية وليست صورة وثائقية.
شكل إنشاء الأكاديمية الملكية للعلوم الدقيقة والفيزيائية والطبيعية سنة 1847، وتأسيس مؤسسات مثل مؤسسة التعليم الحر في القرن التاسع عشر، محاولات لتحديث العلم في إسبانيا، لكن عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد أحبط هذه المبادرات كثيرًا.
