وهكذا نصل إلى الحاضر، حيث صار التعليم في إسبانيا أفعوانية من الابتكارات التكنولوجية والتخفيضات في الميزانية. نظريًا، يفترض أننا في القرن الحادي والعشرين، ومعنا كل العجائب التي وُعدنا بها: سبورات رقمية وحواسيب محمولة ومعلمون يستخدمون التطبيقات لإجراء الامتحانات، بل وذكاء اصطناعي لتصحيح الواجبات. لكن الواقع أكثر تعقيدًا بعض الشيء.
في مدارس حكومية كثيرة، ليست تلك «السبورات الرقمية» الشهيرة سوى قطع خردة لم تعمل جيدًا منذ ألقى عليها الفني المناوب نظرة قبل ست سنوات. أما الميزانيات فحدّث ولا حرج. هنا يتحوّل فن التدريس الحقيقي إلى استعراض بهلواني: على المعلمين صنع المعجزات بموارد لا تقلّ عن الحاجة وحسب، بل تصل متأخرة أيضًا. يمكنك أن تكون أكثر معلمي العالم ابتكارًا، لكن إن لم يكن لديك ما يكفي حتى من الطباشير، فستظل دروسك تبدو مأخوذة من القرون الوسطى.
المشكلة ليست في الأدوات وحدها، بل في البرامج التعليمية أيضًا. كلما تغيّرت الحكومة تغيّر قانون التعليم، كأن مستقبل الأطفال يعتمد على الأيديولوجيا السياسية المناوبة. وكأننا محكومون بإعادة اختراع العجلة كل أربع سنوات. اليوم لا يتعامل المعلمون مع الطلاب فقط، بل مع البيروقراطية والآباء المفرطين في النقد ونظام يبدو مصممًا ليجعل حياتهم أصعب.
اليوم العادي في مدرسة حكومية يشبه حلقة من مسلسل كوميدي، تقف فيها كل الشخصيات باستمرار على شفا انهيار عصبي. أعداد الطلاب لكل معلّم مرتفعة إلى حد يشعر معه المدرّس المسكين أنه مراقب جوي أكثر منه مربّيًا، محاولًا حفظ النظام في صف يبدو فيه كل طالب غارقًا في عالمه الخاص. فالتعليم في إسبانيا أشبه بسباق تحمّل للمعلمين والطلاب، هدفه ببساطة النجاة من العام الدراسي.
